أبي حيان الأندلسي

99

البحر المحيط في التفسير

يهل بالفدفد ركباننا * كما يهل الراكب المعتمر وقال النابغة : أو درة صدفية غوّاصها * بهج متى تره يهل ويسجد ومنه : إهلال الصبي واستهلاله ، وهو صياحه عند ولادته . وقال الشاعر : يضحك الذئب لقتلي هذيل * وترى الذئب لها يستهل البطن : معروف ، وجمعه على فعول قياس ، ويجمع أيضا على بطنان ، ويقال : بطن الأمر يبطن ، إذا خفي . وبطن الرجل ، فهو بطين : كبر بطنه . والبطنة : امتلاء البطن بالطعام . ويقال : البطنة تذهب الفطنة . يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ : هذا ثاني نداء وقع في سورة البقرة بقوله : يا أيها الناس ، ولفظه عام . قال الحسن : نزلت في كل من حرم على نفسه شيئا لم يحرمه اللّه عليه . وروى الكلبي ومقاتل وغيرهما : أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب ، قاله النقاش . وقيل : في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة . قيل : وبني مدلج ، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام ، وحرموا البحيرة والسوائب والوصيلة والحام . فإن صح هذا ، كان السبب خاصا واللفظ عاما ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ومناسبة هذا لما قبله ، أنه لما بين التوحيد ودلائله ، وما للتائبين والعاصين ، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الكافر والمؤمن ، ليدل أن الكفر لا يؤثر في قطع الأنعام . وقال المروزي : لما حذر المؤمنين من حال من يصير عمله عليه حسرة ، أمرهم بأكل الحلال ، لأن مدار الطاعة عليه . كلوا : أمر إباحة وتسويغ ، لأنه تعالى هو الموجد للأشياء ، فهو المتصرف فيها على ما يريد . مما في الأرض ، من : تبعيضية ، وما : موصولة ، ومن : في موضع المفعول ، نحو : أكلت من الرغيف ، وحلالا : حال من الضمير المستقر في الصلة المنتقل من العامل فيها إليها . وقال مكي بن أبي طالب : حلالا : نعت لمفعول محذوف تقديره شيئا حلالا ، قال ابن عطية : وهذا بعيد ولم يبين وجه بعده ، وبعده أنه مما حذف الموصوف ، وصفته غير خاصة ، لأن الحلال يتصف به المأكول وغير المأكول . وإذا كانت الصفة هكذا ، لم يجز حذف الموصوف وإقامتها مقامه . وأجاز قوم أن ينتصب حلالا على أنه مفعول بكلوا ، وبه ابتدأ الزمخشري . ويكون على هذا الوجه من لابتداء الغاية متعلقة بكلوا ، أو متعلقة